"نشأة منصة رُؤى حين تُلهم الأطروحة فكرةً رائدة"
قصة رُؤى:
في قلب الدرعية التاريخية الواقعة بوادي حنيفة، حيث شهدت تلك الجدران الطينية المتعرجة نشأة الدولة السعودية الأولى، كانت باحثة الدكتوراه مي بنت سلمان الركبان تتخطى بين أزقّة حي سمحان، من أحد أقدم أحياء الدرعية، مسلّحة بأدوات التوثيق الميداني وأسئلة البحث العلمي.
لم تكن تلك زيارة عادية؛ بل كانت بداية رحلة بحثية أكاديمية ممتدة، غايتها تقديم دراسة علمية شاملة للمنشآت المعمارية الأثرية في حي سمحان، وصياغة منهجية عملية لتأهيل هذا النطاق التراثي الفريد بما يتوافق مع أهداف رؤية المملكة 2030 وتطلعات هيئة تطوير بوابة الدرعية.
غير أن الباحثة لم تقتصر على التوثيق والرصد؛ إذ كشف لها العمل الميداني فجوة منهجية جوهرية: "غياب أداة علمية موحدة" تدمج بيانات التوثيق المعماري الأثري ثلاثي الأبعاد، والمعلومات التخطيطية، ومعايير الحفاظ العمراني الدولية والمحلية في منظومة متكاملة واحدة، قادرة على توليد سيناريوهات تأهيل قابلة للتطبيق ومبنية على أسس علمية صارمة.
الإشكالية التي فتحت الأفق
كانت عمليات تأهيل الأحياء والبلدات التاريخية في المملكة تعاني من تحدٍّ متكرر: الاعتماد المفرط على الاجتهاد الفردي غير المنهجي في تقييم المباني التراثية وتحديد أولويات التدخل التأهيلي، في ظل شح الأدوات التحليلية المتخصصة التي تعالج التعقيد الوظيفي والبصري والمكاني لهذه النطاقات.
وفي الفصل الرابع من أطروحة الدكتوراه – الجانب التطبيقي – واجهت الباحثة هذا التحدي مباشرةً: كيف يمكن تقديم مشروع مقترح لتأهيل المباني التراثية في حي سمحان باستخدام التقنيات الحديثة، بمنهجية قابلة للتعميم، لا تنتهي بانتهاء البحث بل تمتد وتتطور؟
هنا تحوّلت الأطروحة من سؤال بحثي إلى فرصة ابتكارية حقيقية.
من أطروحة دكتوراه إلى منصة متكاملة
استدعت متطلبات الجانب التطبيقي من الأطروحة بناء نموذج رقمي أولي يُجسّد المنهجية المقترحة للتأهيل على أرض الواقع، فتبلورت الفكرة تدريجيًا: التصميم الابتكاري لمنصة رقمية ذكية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات النطاقات التراثية، وتوليد سيناريوهات تأهيل عمراني ومعماري شاملة ومتكاملة.
اختُبر هذا النموذج لأول مرة على حي سمحان التاريخي بالدرعية، الذي يحتوي على اثني عشر منشأة وسور تراثي صوّنتها هيئة تطوير بوابة الدرعية وحافظت عليها في انتظار تأهيلها مستقبلًا. وقد أثبتت التجربة التطبيقية قدرة المنصة على تحليل بيانات المنشآت من حيث مواد البناء والحالة الإنشائية والعناصر المعمارية والقيمة التاريخية، ودمجها مع البيانات المكانية والتخطيطية للنطاق، لتوليد مخرجات أكاديمية وتصورات ثلاثية الأبعاد وتقارير تأهيلية موثقة.
البذرة الأكاديمية للمنصة المستقبلية
تتجلى في منصة رُؤى معادلة نادرة في عالم الابتكار التقني: فكرة وُلدت من قلب البحث العلمي الأكاديمي الميداني، لا من مكتب تصميم أو شركة تقنية. كل محرّك من محركاتها بالذكاء الاصطناعي، وكل مرحلة من مراحلها الثلاث، وكل خدمة من خدماتها الست؛ إنما هي ترجمة منهجية لإشكاليات حقيقية رصدتها الباحثة خلال سنوات من العمل الميداني والبحث الأكاديمي المعمّق في حقل التراث العمراني السعودي.
بهذا تتجاوز منصة رُؤى حدود كونها مخرجًا بحثيًا مرتبطًا بحالة دراسية واحدة، لتقدّم إطارًا علميًا رقميًا يمكن تكييفه مع تنوع الأنماط العمرانية في المملكة، من أحياء الدرعية النجدية إلى النطاقات الحجازية والعسيرية والساحلية. وبفضل طبيعتها القائمة على البيانات، والمنهجيات المعيارية، ومحركات الذكاء الاصطناعي المتخصصة، تمتلك رُؤى القابلية للتحول إلى أداة وطنية داعمة للجهات الأكاديمية والمؤسسات المعنية بالتراث العمراني، تسهم في توحيد منهجيات التقييم والتأهيل، وتعزيز استدامة المواقع التراثية بوصفها موردًا ثقافيًا وسياحيًا حيًا مستدام يمتد أثره عبر مختلف مناطق المملكة.